محمد هادي معرفة
484
التمهيد في علوم القرآن
والذي أجمع عليه المحقّقون من علماء البيان هو قولة « أمّا بعد » كما هو المتعارف ، يفتتح الكلام في كل أمر ذي بال بذكر اللّه وتحميده والصلاة على نبيّه وآله ، فإذا أراد الخروج إلى الغرض المسوق له الكلام فصله بقوله : « أمّا بعد » . ومن الفصل الذي هو أحسن من الوصل لفظة « هذا » تجعل خاتمة الكلام السابق وفاتحة الكلام اللاحق . وهي العلاقة الوكيدة بين الكلامين ، وقد استعملها القرآن على ألطف وجه ، كقوله تعالى : وَاذْكُرْ عِبادَنا إِبْراهِيمَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ أُولِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصارِ . إِنَّا أَخْلَصْناهُمْ بِخالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ . وَإِنَّهُمْ عِنْدَنا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الْأَخْيارِ وَاذْكُرْ إِسْماعِيلَ وَالْيَسَعَ وَذَا الْكِفْلِ وَكُلٌّ مِنَ الْأَخْيارِ . هذا ذِكْرٌ وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآبٍ . جَنَّاتِ عَدْنٍ مُفَتَّحَةً لَهُمُ الْأَبْوابُ . . . هذا وَإِنَّ لِلطَّاغِينَ لَشَرَّ مَآبٍ . « 1 » ألا ترى إلى ما ذكر قبل « هذا » ؟ ذكر من ذكر من الأنبياء عليهم السّلام وأراد أن يذكر على عقبه بابا آخر غيره ، وهو ذكر الجنّة وأهلها ، فقال : « هذا ذكر » . ثم قال : وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآبٍ . ثمّ لمّا أتمّ ذكر أهل الجنة وأراد أن يعقّبه بذكر أهل النار قال : هذا وَإِنَّ لِلطَّاغِينَ لَشَرَّ مَآبٍ . وذلك من « فصل الخطاب » الذي هو ألطف موقعا من التخلّص « 2 » . التتميم وهو من ظرف البديع وكماله وبلاغة . قال ابن رشيق : هو أن يحاول الشاعر أو المتكلّم معنى ، فلا يدع شيئا يتمّ به حسنه إلّا أورده وأتى به ، إمّا
--> ( 1 ) ص : 45 - 55 . ( 2 ) المثل السائر : ج 3 ص 139 - 140 .